أهلا وسهلا بكم في أرشيف أم الفحم ووادي عارة
  • شيوخ الوادي – مكان للوحي

    • 1953 Views
    • /
    • 0 التعليقات
    • /
    • في مقالات
    • /
    • بواسطة editor

    سعيد أبو شقرة، مدير صالة العرض

    قد مضت خمسُ سنواتٍ على ولادة فكرة إنشاء أرشيف صور أم الفحم ومنطقة وادي عارة، بالإضافة إلى

    إقامة المعرض الثّابت وإصدار الوثيقة التّاريخيَّة الأولى من نوعها، كتالوج المعرض «ذاكرة المكان ». ها نحن

    معكم اليوم كي نعرض لكم وثيقة تاريخيَّة إضافيَّة: توثيق شيوخ وادي عارة الذين تمّ تصويرهم خلال

    السّنوات الأخيرة، وللأسف فقد غادر دُنيانا عددٌ كبير منهم، لكنّهم تركوا لنا وللمعرض القصّة الشّخصيَّة

    لكلّ واحدٍ منهم.

    إنّها قصَّة عن الحياة وعن التّرحال وعن صراع البقاء والانتماء إلى الماضي والأرض، إنّه لمّا يبعثُ على

    السُّرور أنّني أنتمي إلى الجيل الذي نشأ وترعرع في كنف شيوخ البلدة وممَّن عرف قدرهم. لقد سحرتني

    قصص حياتهم وطفولتهم واستَهْوتني روح الشّباب التي بثّتها تلك القصص من خلال الهيبة التي أغدقوها

    عليّ وعلى محيطهم بحضورهم وجبروتهم الذي كان مصدر وحيٍ واعتزاز لي.

    لذلك انتهزتُ كلّ وقتٍ متاح كي أستمع إلى قصص الماضي وأتأمَّل ملامح وجوههم:

    كنتُ في السّادسة عشرة من عمري عندما التحقتُ بصفوف الثُوّار الفلسطينيّين الذين حاربوا الجنود

    الإنجليز في معركة بالقرب من قرية بُريكة الواقعة إلى جوار زمارين )زخرون يعكوڤ(، قُتِلَ أربعة

    فلسطينيّين من قُوّاتِنا وبلغت والدي الشّيخ يوسُف معلوماتٌ بأنّني من جملة الشُّهداء في تلك المعركة. سافر

    والدي إلى بريكة وتعرَّف على القبر الطريّ وكان متأكِّدًا أنّه قبري، قرأ بعض الآيات القرآنيَّة ثمّ صلّى وقَفَل

    راجعًا إلى أمّ الفحم، وهناك، في ساحة البيت القديم، أقامَ سرادق للعزاء.

    هذا ما رواهُ الخال محمّد يوسُف شريدي )أبو سامي( للزوّار الكثيرين الذين تزاحموا في بيته الواسع

    حينما وفدوا إليه لتوديعه قبل يومٍ من سفره لتأدية فريضة الحجّ في مكَّة.

    كنتُ فخورًا جدًّا بعمّي الذي كان في نظري بطلاً حقيقيًّا والذي كان قُدوة لي لسنواتٍ طوال.

    كان خالك بطلاً عظيمًا، لقد حارب الإنجليز والحكم العسكري، وصمد أمامهم. لقد كان رجُلاً تقيًّا، حناه الله

    برعايته.

    هذا ما همس به في أذني العمّ أسعد عزّام، ترب العمّ أبو سامي، وهو يرتدي الجلابيَّة ويعتمرُ الكوفيَّة. كانت

    ملامح وجهه وشاربه ونظراته تشي بإنسان قد مرّ بتجارب كثيرة في حياته.

    بعدما تعود من الحجّ بإذن الله أيها الخال أبو سامي سأعود إلى هنا كي أصوِّرك بالفيديو. أتوقُ إلى أن يرى

    أولادي ويسمعوا جدّهم البطل وهو يخاطبهم ويسرد ذاكرة الماضي.

    هذا ما وعدتُ به الخال أبا سامي وهذا ما تُقتُ إلى فعله.

    لكنَّ الخال لم يرجع من الرِّحلة، خانته صحّته وعمره وتوفِّي في مكَّة ودُفِن فيها. شعرتُ بحزنٍ شديد

    لفقدان الخال أبو سامي، وشعرتُ كذلك بخسارة فادحة لفقدان قصَّة لن تُروى أبدًا. أملتُ في أن يعود

    الخال ويحدّثني عن عهد الصّبا، عن رفاقه في السّلاح، عن مشاعره قبل المعركة وبعدها، عن مجرى المعركة

    والأصدقاء الذين لقوا حتفهم، بل وأملتُ في قرارة نفسي أن نقصد معًا مكان المعركة من أجل استرجاع

    أحداث تلك الأيّام ولو بشكلٍ جزئيّ.

    ولكنَّ الخال لم يعُد من رحلته تلك كما لم يعُد من قبله والده أيضًا الجدّ الشّيخ يوسُف شريدي، فقد ترامت

    به الأصقاع إلى أن استقرّ به النّوى في مخيّم اليرموك للاجئين الفلسطينيين في سوريّا، وتوفّي هناك. قصَّة

    حياته وتشرّده في أصقاع الأرض لم تروَ ولن تُروى هي أيضًا.

    ومثل قصصهم ضاعت أيضًا قصص آلاف كثيرين رحلوا عن دنيانا.

    لم يسمع أحدٌ قرع ناقوس الخطر باندثار جيلٍ كامل، بينما نقف نحن الجيل الأصغر في دَعةٍ غير آبهين

    بواقع لا قيمة فيه للتّاريخ ولا معنى للذّاكرة.

    منذ اللِّقاء في بيت الخال أبو سامي تطلّب منّي أكثر من عشر سنوات كي أعي القيمة الحقة لشيوخ البلد

    كمصدر وحي لمواصلة حياتنا، وكِبَرَ مهمّة التّوثيق ومقدار المسؤوليَّة الملقاة على عاتقنا في إعادة المجد

    التّليد. إنَّ واجبنا الأخلاقيّ في جمع وتوثيق وإيصال القصَّة الفلسطينيَّة إلى الأجيال التّالية هي حصيلة

    هذا الوعي.

    ظلّت فكرة إقامة المعرض تراودني سنوات طويلة، واكتملت خلال هذه الفترة إلى أن خرجت إلى حيِّز التّنفيذ،

    وعلى الرّغم من صعوبات الاستعداد والتّشغيل والصّعوبات المهنيَّة الأخرى إلاّ أنّ تلك الفكرة غدت كيانًا

    يمكن التّواصل والتّماهي معه. من المهمّ البكاء على فقدان قصص عظيمة، لكن الأكثر أهميَّة هو التّشمير عن

    ساعد الجدّ والبدء في العمل الجادّ الدّؤوب من أجل إنقاذ ما كُمين إنقاذه.

    تمثُل أمامنا في المعرض وفي الكتالوج صورُ شيوخ الوادي بكامل عزّتهم وأبّهتهم، إنّهم حقًّا معين وحيٍ لا

    ينضب لحياة الماضي والمستقبل على حدٍّ سواء.

    أنجز المصوِّرون شاي ألوني، وعمّار يونُس، والزّوجان وجدان وخالد أبو فاعور عملاً رائعًا. لقد كانت متعة

    لا تضاهى بالنّسبة لي حينما رافقتهم في رحلة التّصوير، في بعض الحالات قمتُ بتنسيق الزِّيارات بنفسي

    ولمست عن كثب الاحترام العظيم الذي حظي به جميع المساهمين.

    إنّهم فئة ممتعة ومنضبطة من النّاس، أناس يرتدون ثيابهم وفق التّقاليد التّراثية ويشعرون بمتعة بسبب

    الدّراما التي تدور من حولهم. لا يفهمون في غمرة تواضعهم كيف حصل وتذكّروهم على غير ميعاد،

    وتُطرح الأسئلة الممازحة: «ماذا؟ أأصبحت عجوزًا إلى درجة أنّني أستحق أن أوضع في مُتحَف للتّاريخ؟

    هل للتّجاعيد معنى؟ أيّ ملابس يجدُر بي أن أرتدي؟ ما الأفضل، مع كوفيَّة أم بلا كوفيَّة؟ المرأة أيضًا؟ لماذا؟

    حسنًا، ارتدي ملابسك يا حاجَّة، تعالي لتتصوّري »– وتغصّ القاعة بالضّحك.

    لامست شغاف قلبي الكلمات التّمهيديَّة للمصوِّرين الذين بادروا إلى طرح بعض أسئلة استفسار عن

    ماضي الشّيوخ الذين ينبغي تصويرهم، مكان ولادتهم، عمرهم وعدد أولادهم وأحفادهم. شعر الشّيوخ

    الذين ينبغي تصويرهم بشرفٍ عظيم في الرّدّ على الأسئلة بينما الكاميرا منتصبة على قوائمها الثّلاثيَّة

    وهي تنتظر البدء في تصوير الوضعيّات المختلفة.

    انصبّ اهتمامُ شاي ألوني على الشّيوخ وبيئتهم الحميمة والمجاملة، مقابل ذلك انصبّت عنايةُ عمّار يونُس

    والزّوجان وجدان وخالد أبو فاعور على شخصيَّات الشّيوخ، وملابسهم، وتعبيرات وجوههم، كما أرادوا أن

    تعبِّر وجوههم عن الذكريات البعيدة. سعوا لأن تمنح الصّورة للمشاهد مشاعر الانتقال في حياة الشّيوخ،

    مسيرة التّرحال وذكرى أبناء عائلاتهم الذين تفرّقوا شذر مذر ولم يبق منهم أيّ ذكر للحياة.

    يقف في جميع الصّور شيخ بكلّ كبريائه وحضوره الطّاغي منتصب القامة، على الرّغم من جيله وكلّ ما مرَّ

    عليه في حياته، يبتسم ويمسك بيد زوجته ويعلم أنّه في هذه اللَّحظة هو البطل الحقيقيّ. جميع الحضور-

    أبناء عائلته، الأصدقاء والجيران، ينظرون إليه بتقديرٍ عظيم، إذ لم يأتوا لتصويره بمحض الصّدفة ولا شكّ

    أنَّ هناك سبباً وجيهًا لذلك.

    تفتح زيارةُ الشّيوخ من أجل تصويرهم أمامنا عالمًا غنيًّا، يتبسَّطُ النّاسُ ويكشفون كلّ ما يذكرونه. يتذكّرون

    حوادث ووقائع ذات أهميَّة تاريخيَّة، واجتماعيّة، وسياسيَّة. كلّ عجوز، وكلّ شيخ قبيلة أو حمولة يجلب

    معه قصّته الشّخصيَّة والجماعيَّة.

    ولكن ليس ثمَّة شكّ في أنّ جميع القصص تؤدّي إلى مصبّ واحد: إلى الأرض. كانت الأرض في ذلك الزّمان

    محور حياة الإنسان وحريّته، منها رضع قيم الحياة وهي التي بلورت هُويَّة وشخصيَّة ونهج حياة الفلاح

    الفلسطينيّ الذي زرع الأرض وتفانى في خدمتها.

    أهميّة شيوخ الوادي كبيرة جدًّا، ولكن بسبب سنّهم وصحّتهم ثمّة خطر مُحيق يتهدَّد استمرار وجود

    الرّواية الفلسطينيَّة، لذلك فالمهمّة الأولى للأرشيف هي تعداد السكّان الطّاعنين في السنّ من شيوخ الوادي،

    جمع المعلومات عنهم وخلق تواصُل فوري معهم.

    كان جليًّا أنَّ بعضهم كان على شفا الموت ولذلك هناك حاجة ملحّة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بواسطة التّصوير

    الثّابت، وجمع معلوماتٍ وتصوير بالفيديو. تولَّد لدى الطّاقم الذي يقود عمليَّة التّوثيق حرصٌ وتفانٍ

    وإخلاص مطلق للفكرة.

    في أحد الأيّام أثناء إعداد المعرض والكتالوج توجّه إليّ محمود إغباريَّة أبو أنس، مركِّز الأرشيف، وحدّثني

    عن الشّيخ توفيق قاسم )أبو بهجات( ابن التّسعين وعن أهميّته التّاريخيَّة والثّقافيَّة. الرّجل مريض جدًا وقد

    أدخل المستشفى في الأسبوعين الأخيرين، وباءت كلّ محاولات أبي أنس في الوصول إليه من أجل التّوثيق

    بالفشل. لكنّه اليوم في البيت: «نسّقت مع أولاده قبل يومين كي أقابله وأصوِّره. أحد أولاده ينتظرني في

    البيت .»

    حزم أبو أنس الكاميرات وانطلق في سبيله قبل صلاة الظّهر. بعد ذلك بوقتٍ قصيرٍ عاد والدّموع تملأ عينيه:

    «أعلنوا الآن في مكبّرات الصّوت في المساجد عن وفاة الشّيخ توفيق قاسم، أبو بهجات، ت

    التعليقات مغلقة