أهلا وسهلا بكم في أرشيف أم الفحم ووادي عارة
  • الأرشيف

    الاعراس

    الأعراس

    يعتبر العرس في مناطق وادي عارة من أجمل المناسبات التراثية الزاهية و أكثرها بَهجه سواء كان ذلك عل مستوى القرى أو المدينة. فهو يعبّر عن الأفراح بأسمى صورها التراثية من زفة العريس إلى حنّاء العروس، ففيه يعم الفرح على كل فرد من أفراد الأسرة. مهما كبرت العائلة واتسع الحي أو القرية، بالإضافة إلى العريسين، تجري الاستعدادات له قبل عدة أسابيع، وتسمى هذه الفترة بالتعاليل (تعليلة)، حيث يُطلق العريس لحيته وشعره ولا يقصّهما إلا عند الحمّام قبل حفلة الزفّة. أمّا العروسة فتلبس ملابس البيت العادية ولا تضع أي مكياج للوجه أو خلافه، إلا عند حفلة زفافها. فكل منهما يفكر بدوره، ماذا يقع عليه من واجبات وما له من الحقوق، التوصيات تنكب عليهما من كل جانب، جانب أهل العروس وجانب أهل العريس.

    وفي هذه المناسبة يتاح لكل شخص في القرية أن يطلق العنان لعواطفه فيغني ويرقص ويتحرر من رتابة الحياة اليومية القاسية. وللزواج تقاليده الخاصة به في المجتمع الفلسطيني والذي يتميز بطابعه المحافظ، ومن هنا كان من اللازم أن تجرى احتفالات النساء بشكل منفصل عن الرجال وتسير الأغنية الشعبية جنباً إلى جنب مع مراسيم العرس. وفي حفلة الخطوبة، تغني النساء أغنيات عديدة تشير إلى فرحة أهل العريس بالعروس، ويلاحظ أن أغلب المُغنيات من أهل العريس. وتركز هذه الأغاني على صفات العريسين كجمال العروس ووسامة العريس، وحسبهما ونسبهما ومكانتهما الاقتصادية في القرية أو المدينة بالدرجة الأولى وبالتالي المكانة الاجتماعية. أمّا مراحل وخطوات العرس فهي كتالي:

    الخطبة: وتشمل الاختيار للعروس والطُّلبة الغير رسمية والُطلبة الرسمية وقد يشملها “عقد العقد” (الإملاك) كما في القرية أو “كتب الكتاب” في المدينة، حيث تسجل بهذا العقد الشروط المتفقة بين العريسين (أو أهلهم)، وقد تجرى جميع هذه المراسيم ضمن حفلة واحدة تسمى”الصَمدة”. ويتلو ذلك اشهار الخطبة في حفل وعادة يحدث هذا الحفل في منزل العروس، حيث يغطي العريس كلّ التكاليف الخاصة بالحفل. وهنا تكون التلبيسة وهي ما يسمي شبكة العروس (المحبس). يقوم العريس بتلبيس عروسه الذهب على مرأى من الحضور وعلى وقع الأغاني الشعبية الخاصة بهذه المناسبة.

    سهرة العروس والحنّاء: بعد هذا الحفل يتمّ التجهيز لحفل الزفاف “الصمدة” وما يسبقها من حفل الحناء للعروس يبدأ حفل الحناء للعروس وحولها الأقارب والصديقات وسط بهجة الجميع، وتكون إحدى قريبات العروس أو الأم قد أعدت الحناء للعروس وتبدأ إحدى السيدات الماهرات في نقش الحناء علي يد العروس بالشكل الجميل والذي لا يخلو من فن وذوق جميلين. وعادة ما تأتي النساء من أهل العريس ولكن بدون إحضار العريس لرؤية العروس مع الزغاريد والأغاني الشعبية الجميلة. وفي نهاية حفل حناء العروس تبدأ ما يسمى ب “التجلاية” (الجلوه) لتعرض العروس كامل زينتها بعد هذا الحفل، مترافقاً مع الأغنية الرائجة لهذه المناسبة:

     إتمختري يالله يا زينة             يا وردة من جوّا جنينة

    إتمختري يالله يا عروسة          والورد باين علينا

     وفي بعض قرانا الفلسطينية، تبدأ (الجلوه) بعد استراحة العروس فترة وجيزة، بأنْ تصْطفّ النساء على الجانبين وتسير العروس في الوسَط ذهاباً وإياباً، ويكون وجهها باتجاه العريس الذي يكون جالساً أمامها، وفي يديها الشموع، وتغيِّر العروس البدلات السبْع الواحدة تلو الأخرى، على أنغام الطبلة أو الدّربكّة والأغاني الخاصة بالجلوة.

    حفلة حناء العريس: تعتبر ليلة حناء العريس وهي الليلة التي تسبق ليلة زفافه من أهم ليالي العرس الفلسطيني، يجتمع فيها الأقارب والمعازيم ويحتفلون حتى ساعات متأخرة من الليل بحناء العريس وشطب إسمه من دفتر العزوبية. ففي ساعات ظهر ذلك اليوم تجتمع نسوة القرية وأقارب العريس لجبْل الحِناء على أنغام الطبلة والأهازيج الفلسطينية الخاصة بهذا المناسبة، ويرافق عملية الجبل الرقص والدبكة والغناء للعريس ولأهله. وبعد أن ينتهين من عملية الجبل يقمن بوضع الحناء وتوزيعه على الأهل والجيران والأقارب، ولا تنسى النسوة تجهيز صينية حناء خاصة بالعريس مزينة بأجمل أزهار الورود لكي يحملها العريس في سهرة حنائه ويرقص بها ويتحنّا منها في نهاية السهرة.

    تتنوع حفلات حناء العريس اليوم في فلسطين، والتي كانت تقتصر على الزجل الشعبي والأغاني التراثية الفلسطينية كــ “زريف الطول، يا حلالي يا مالي، جفرا، الدلعونا، الميجنا، شدّ عنانك يا خيّال ويا هلا حيّ الضيوفِ. يشترك أهالي القرية والمدعوين من خارجها بأحياء سهرة حناء العريس والدبكة والسحجة له في أجواء جميلة من الألفة والسعادة تعكس الصورة المشرفة للقرية ولعادتها الجميلة ومن المدعوين من يغادر السهرة بعد أن يتناول طعام العشاء ومنهم من ينتظر حتى يتم حناء العريس ويشاركه اللحظات المؤثرة في أجمل ليالي حياته. دقائق قبل منتصف الليل يبدأ الحادي أو الفنان الذي أحيى السهرة بغناء الأهازيج الخاصة بحناء العريس، وهي كثيرة، في أثناء ذلك يبدأ الحضور بالتجمع حول العريس والتصفيق له وهو يحمل صينية الحناء ويرقص بها، فيجد أصدقاءه بجانبه يشاركونه فرحته ويقومون بحمله على أكتافهم بمشهد يحمل الكثير من معاني الفرحة والسرور. في هذا اللحظات تأتي أم العريس ووالده ليشاركوا إبنهم والاحتفال معه ويمسكون بيده ويشاركونه الرقص والدبكة الجميلة. بعد ذلك يبدأ الحادي بغناء الأغاني الشهيرة للحناء، مثل:

    “سبّل عيونُه ومدّ إيدو يحنّونو … خصرو رِقيّق وبِالمنديل يضُمّونو…”

    “منين جبت الحِنّا يا علي يا عريس… والحنّا حجازي والبدلة من باريس”

     “مِدّ ايدك حنّيها يا عريس…  مِدّ ايدك حنّيها يا لالا”، وغيرها. ويجلس العريس أثناء هذه الأغاني في وسط حلقة من التصفيق والرقص بينما يتولى أحد الأصدقاء مهمة حنّائه، فيرسم على كفّ يده اليمنى قلب حبّ والحروف الأولى من إسمه وإسم عروسه.

    في اليوم التالي يكون حفل الزفاف وهو اليوم الأهم :يتميز العرس الفلسطيني التراثي بالرقصات الشعبية: مثل الدبكة، المشهورة والتي توارثوها عن الآباء والأجداد من الرجال والشيوخ، ترافقها ألاغاني التراثية كالعتابا و الميجانا والسماح والزجل والمواويل الشعبية ونشوة، صورة العرس، عند الرجال مع عريسهم لا تختلف كثيراً عن صورة العرس عند النساء مع عروستهم. فالزفة هي للعريس، وزفة العروس هي “حنّاها”، والزفّة في الحالتين إشهار لكافة المعارف والأصحاب، أن من يعز عليهم ها قد تزوج، فلا تنسوه. هناك اختلاف في شدة الإيقاع وحركات الرقص، والتي تتناسب مع جنس الرجال وجنس النساء، العروس تظهر بأجمل ما لديها من الثياب أمام قريباتها وصديقاتها وتتباهى بمفاتنها وحناها، والكل يحيط بها ويغني لها الاغاني الجميلة ويرقصون لها الرقصات الشعبية المعتادة، مع تعالي أصوات قرع الطبلة او الدفّ، عند “صمدة العروس” الكل منشرح الصدر ومسرور من أفراد عائلتي العروس والعريس، وأقربائهم وأصدقائهم. الدبكة والأغاني النسائية، ذات طابع إيقاعي خفيف، الأغاني تراثية، وقعها جميل على النفس. العريس يلبس بدلة زاهية في ذلك اليوم، أعدها خصيصا ليومه هذا، وقد يكون غير معتاد على لبسها، وقد لا يلبسها إلا يوم زواجه، حيث تظهره بأنة عريس حقاً، لأنها تغير من مظهره، و شخصيته أمام أصدقائه وأحبائه، فهم لم يعتادوا على رؤيته وهو لابس للبدلة، وواضع للربطة على عنقه، فيظهر بمظهر جديد عليهم، يدل على انه عريس حقا. دعوة الغداء تختلف من عرس لآخر، فالعرس الأكثر تبذيراً وبذخاً يعتبره الناس الأكثر كرماً، والعرس الأكثر تقنيناً، يعتبره الناس أن وضع العريس فيه “على قد الحال”.

    أمّا طلعة العروس فتكون نهاية حفل الزفاف في منزل العروس عندما يأخذها أهل العريس من بيت والدها إلى منزل أهل العريس في مشهد مفرح ومبكٍ لأهل العروس وأخواتها وصديقاتها. وهنا يحضر طلعة العروس أهلها وأعمامها وأخوالها واصدقاء العائلة والمقرّبون لوداعها ولتسليمها إلى أهل العريس على وقع أغاني خاصة بهذا المشهد. وعند دخولها بيت أهل العريس، من العادة والمعتقدات السائدة أن تُعطى العروس إبريقاً أو كأساً من الفخار أو الزجاج لكسره إشارة على طرد “الشرّ والنحس والحسد والعين”، وهناك أيضاً من العادة للعروس أن تلصق على بوابة مدخل البيت أوراق أو أزهار من الحنّاء كعدد أخوة العريس. ثمّ يأتي دور “دخلة العريس على عروسه، وأثناء صمْدة العروسيْن كانت تجري طقوس يكشف العريس “الطرحة” عن وجه عروسه وتتجلّى العروس أمام عريسها والحاضرين، وبذلك تنتهي مراسم العرس الرسميّ.